مؤسسة آل البيت ( ع )
169
مجلة تراثنا
وهذا التأويل مبتن على أساس ما يسمى في علم البلاغة ب " القول بالموجب " ( 1 ) وهو أن يحمل المجيب ، اللفظ الوارد في السؤال ، على معنى لم يقصده السائل . فالسائل أراد من النصب ، الإعراب . والشريف أجابه على أنه أراد النصب العقائدي . ولا ريب أن جواب الشريف هذا ، واستعماله هذا الأسلوب البلاغي البديع ، يحتاج إلى مزيد الدقة ، وجدة الذكاء ، وسرعة انتقال الخاطر ، والتوجه إلى المعاني المختلفة وإصابة المنحر في المسألة العقائدية ، بما كان صدوره من السيد الشريف في ذلك العمر موجبا للإعجاب الأكبر . وهو الذي أثار حفيظة كثير من المتأدبين ، فحرفوا النادرة إلى ما يهوون ! إن الإباء المعهود في الشريف الرضي ، ذي النسب العلي ، والأنف الحمي ، دفعه إلى اعتبار الامتحان في الحلقة امتهانا ، وإثارة للطائفية المقموتة ، فكأنه فهم - وهو الملاحظ - أنهم أرادوا أن يجبروه على أن يتصور صورة كلمة " عمر " التي سيؤول إليها لفظ " عمرو " في حالة النصب ، فأبي أن ينصاع لهم ، وإنما ذكر لازمها وهو " بغض علي " ، فجابههم بهذا الجواب اللاذع . وفي إجابة واحدة جمع الشريف الرضي بين شتات كل هذه المطالب وهذا منه - وهو طفل لم يبلغ العاشرة ، في حلقة علماء الفن - يدل - بلا ريب - على ذكاء مفرط ونبوغ مبكر . وقد جمعنا بإبرازنا لهذه النكت الطريقة بين ما يناسب شخصية الشريف المرموقة ، وبين شهرة النادرة الواسعة ، ورفعنا الخلل الواقع في النسخ المختلفة من المصادر الناقلة لها .
--> ( 1 ) كذا يسميه قدماء البلاغيين ، وسماه في كتاب " الأسلوب الصحيح في البلاغة " - ص 78 - ب " التعريف " .